آخر الأخبار

من هو أبو محمد الجولاني: القائد الغامض الذي أطاح بنظام الأسد وأعاد رسم المشهد السوري؟

من هو أبو محمد الجولاني
أحمد الشرع"محمد الجولاني"

دخل قائد هيئة تحرير الشام، أبو محمد الجولاني، إلى الجامع الأموي في دمشق، بعد ساعات من إعلان الفصائل المعارضة بقيادة الهيئة الإطاحة بالرئيس بشار الأسد ودخول قواتها إلى العاصمة. لكن، من هو الجولاني، الذي بات يُعرف باسمه الحقيقي أحمد الشرع؟

عاد اسم أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا)، إلى صدارة المشهد الإعلامي مع الهجوم المباغت الذي شنّه تحالف المعارضة المسلحة بقيادته على مواقع قوات النظام السوري في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني. هذه الخطوة، التي وصفت بأنها الأكثر جرأة منذ سنوات، ألقت الضوء مجددًا على شخصية الجولاني وتحوّلاته المثيرة للجدل.

تحولات الصورة والتكتيك السياسي

في خضم التطورات، عمد الجولاني إلى تغيير صورته التي ارتبطت سابقًا بالتطرف. فقد بدأ باستخدام اسمه الحقيقي، أحمد الشرع، متخليًا عن اسمه الحركي "أبو محمد الجولاني"، الذي كان رمزًا لجذوره الجهادية. كما ظهر في مناسبات عدة بملابس عسكرية أو مدنية بدلاً من العمامة البيضاء التقليدية التي رافقته في بداية الحرب.

في 4 ديسمبر/ كانون الأول، ظهر الجولاني في قلعة حلب التاريخية، موجهًا رسائل تطمين للمسيحيين بأنهم لن يتعرضوا للأذى، في خطوة بدت محاولة لتوسيع قاعدة القبول الشعبي له بين سكان المناطق التي تسيطر عليها قواته. وفي تصريحاته التي أعقبت السيطرة على مدينة حماة، أشار إلى عدم السعي للانتقام من المجازر التي وقعت في عهد حافظ الأسد، وهو ما اعتبره محللون مسعى للترويج لهيئة تحرير الشام كطرف "براغماتي" يسعى إلى الاستقرار.

مسيرة الجهادية والتغيرات الاستراتيجية

الجولاني، المولود في دمشق عام 1982 لعائلة ميسورة، بدأ حياته بعيدًا عن ساحات المعارك. إلا أن هجمات 11 سبتمبر 2001 شكّلت نقطة تحول في مساره، إذ بدأ في حضور اجتماعات سرية وخطب دينية قبل أن ينتقل إلى العراق بعد الاجتياح الأمريكي في 2003، لينضم إلى تنظيم القاعدة بقيادة أبو مصعب الزرقاوي. وبعد اعتقاله من قبل القوات الأمريكية في العراق، بقي الجولاني هناك، حيث تداخلت مسيرته مع نشأة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بقيادة أبو بكر البغدادي.

مع اندلاع الثورة السورية في 2011، أُرسل الجولاني إلى سوريا لتأسيس فرع لتنظيم القاعدة، والذي أصبح لاحقًا يُعرف باسم جبهة النصرة. إلا أن علاقته بتنظيم الدولة شهدت انقسامًا حادًا، حيث رفض الجولاني دعوات البغدادي لحل الجبهة ودمجها مع داعش، ما دفعه للإعلان عن ولائه لتنظيم القاعدة بشكل مستقل.

ما بعد الانفصال عن القاعدة

شهد عام 2016 نقطة تحول بارزة في مسيرة الجولاني، حيث أعلن انفصاله عن تنظيم القاعدة، مقدمًا تنظيمه الجديد باسم هيئة تحرير الشام، ليبدأ مسارًا نحو الترويج لنفسه كقائد عسكري وسياسي معتدل. في مقابلة مع شبكة "بي بي إس" عام 2021، نفى الجولاني أي نية لشن هجمات ضد الغرب، مؤكدًا أن العقوبات المفروضة على تنظيمه غير مبررة.

رغم هذه المحاولات، ما زالت هيئة تحرير الشام مصنفة كمنظمة إرهابية دوليًا، ويواجه الجولاني اتهامات بانتهاكات لحقوق الإنسان في المناطق التي يسيطر عليها، بما في ذلك الاعتقال التعسفي وقمع الأصوات المعارضة.

محاولات طمأنة الأقليات: مناورة أم تغيير حقيقي؟

مع تصاعد العمليات العسكرية الأخيرة، حاول الجولاني تقديم نفسه كزعيم مسؤول قادر على إدارة المناطق "المحررة" بمسؤولية. إلا أن خبراء يشككون في مصداقية هذا التحول. الباحث الألماني غيدو شتاينبرغ صرح بأن هيئة تحرير الشام ما زالت تضم في صفوفها العديد من الجهاديين، مما يثير مخاوف من أعمال انتقامية ضد الأقليات الدينية والعرقية، وخاصة في مدن مثل حلب.

كما أكدت الباحثة هبة زيادين من هيومن رايتس ووتش أن سجل الهيئة في التعامل مع الأقليات لا يشجع على الثقة، مشيرة إلى الانتهاكات السابقة التي شملت العنف والتهجير القسري وتدمير التراث الثقافي والديني.

تحليل واستنتاج

تحركات الجولاني الأخيرة تعكس استراتيجية متعددة الأبعاد تهدف إلى إعادة تعريف دوره في الصراع السوري. فبينما يسعى لتعزيز شرعيته الداخلية والدولية عبر خطاب أكثر اعتدالًا، تظل التحديات المتعلقة بسجله الحقوقي والانقسامات العميقة بين مكونات المجتمع السوري عائقًا أمام تحقيق أهدافه.

يبدو أن الجولاني يدرك أن معادلة القوة في سوريا لا تقتصر على السلاح فقط، بل تحتاج إلى تأطير سياسي ودبلوماسي يعيد تشكيل صورته أمام الداخل والخارج. ولكن يبقى السؤال: هل هذه التحولات حقيقية ومستدامة أم أنها مجرد تكتيك عابر ضمن لعبة البقاء؟


 

إرسال تعليق

أحدث أقدم